عفيف الدين التلمساني

264

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : ما ارتبطت بشيء حتى تراه لك من وجه ، ولو رأيته لي من كل وجه لم ترتبط به ) . قلت : مثاله أن لك سمعا وبصرا وتعتقد أن لربك تبارك وتعالى سمعا وبصرا ، فلو شهدت أن السمع والبصر حقيقة إنما هما للّه تعالى لم تدع ولا في لمحة واحدة أن لك سمعا وبصرا وتدّعي أيضا أن لك قوة ، ولو شهدت حقيقة أن القوة للّه جميعا لم تتعلق بدعوى القوة أنها لك أبدا . قوله : ( وقال لي : من لم يرني رأى الشيء لي ولم يشهده لي ، وما كل من رآني شهد ما رأى ) . قلت : يعني من لم يره عيانا اعتقد أن الشيء ملك له ولم يشهده فإن الشهود في اصطلاحهم إنما هو بأن يصير الحق تعالى سمع الشاهد وبصره وجميع مداركه ومشاعره ، وبذلك يقال للعبد إنه مشاهد ؛ فلذلك قال من لم يرني رأى الشيء لي ولم يشهده لي . واعلم أن من يشهده له لم يجعل اللام في له للملك ، وأما من لم يشهده فإنما يجعلها للملك ؛ فظهر مما ذكر أن ما كل من رأى شهد ما رأى . قوله : ( وقال لي : الشهادة أن لا تعرف ، وقد ترى ولا تعرف ) . قلت : سمّي المشاهد عارفا ، وسمي « الرائي والمحجوب » ليس بعارف . 37 - موقف الدلالة قوله : ( أوقفني في الدلالة وقال لي : المعرفة بلاء الخلق خصوصه وعمومه وفي الجهل نجاة الخلق خصوصه وعمومه ) . قلت : المعرفة بالنسبة إلى خصوص الخلق وهم العارفون هي بلاء ؛ لأنهم مطالبون بمفارقتها بمقتضى الرؤية وتقدم معنى هذا ، وأما المعرفة بالنسبة إلى عموم الخلق وهم المحجوبون فهي بلاء أيضا ؛ فهم مطالبون بالتلبس بها ، ولا قدرة لهم على ذلك وهم عوام حتى يكونوا خواص . وأما الجهل بالنسبة إلى خصوص الخلق فليس هو إلا الفناء وفيه نجاة الخواص ، وأما الجهل بالنسبة إلى عموم الخلق فليس إلا عدم العلم ، ولا شك أن الخالي من العلم لا يتركب عليه الحجة المتركبة على العلماء ؛ فهذا القدر نجاة لهم .